أعمدة من الضوضاء
أنيس منصـــور:
أفسدتنا الحياة في المدن. ولذلك سارعت بأن أمضي يوما في الريف. ذهبت، كل شيء في مكانه من ألوف السنين. ستظل النباتات خضراء وتظل الشمس تحقنها بالفيتامينات والماء يقوم بدور الأسانسير ينقل خيرات التربة من الجذور إلى الأوراق. وتظل الآفات الزراعية تأكل الزراعة وتريد أن تأكل الفلاح والتاجر والسمسار والدودة والعملات الصعبة. ولكن السماء صافية، زرقاء لها ذلك اللون الذي نقرأ عنه ولا نراه من تحت السحب التي تطلقها مئات الألوف من الموتورات الصاخبة في القاهرة. والهدوء شامل، والهواء تمرغ بين النباتات والحيوانات والقنوات، لكنه برغم ذلك منعش!!
والناس بالعشرات، عددهم قليل، متباعدون، يتحركون بلا صوت أو لهم أصوات لا تتحرك.. فلا أحد يسمع أحدا، وكل واحد في حاله وحاله تحت قدميه. ولذلك أنكفأ عليه. ومضت ساعات لا أعرف كيف.. وجاء أصدقاء مثقفون وتناقشنا في قضايانا أحسست أنهم يرددون أصداء المدينة التي كرهت صوتها وصداها.. وأحسست بأنه لا مفر من أن أعاود الحياة في المدينة وأنا في قلب الريف.. وأن الراديو والتلفزيون والصحف تلاحق الجميع في كل مكان.. وأنه لا أمل في أن يكون الإنسان بعيدا عن المدينة. وبصراحة تعبت من الساعات التي أقمتها فى الريف.. فأنا مثل بحار اعتاد هياج البحر واهتزاز السفينة.. وفوجئ بأنه ألقي على الشاطئ فلا موج ولا رياح ولا اهتزاز ولا دوار بحر..
أو مثل طيار أرغم على الهبوط الاضطراري.. فوقف على الأرض دون أن تملأ أذنيه أصوات المحركات ودون أن يرى سحابا أو يهبط إلى مطب هوائي!!
أو كأني قرموط سمك عاش في بحر من الماء الذي يغلي بجنون.. وفجأة جف ماء البحر وانخفضت درجة حرارته وانسابت مياهه صافية ناعمة حريرية.. وانزعجت.. لقد اعتدت أن أتساند بأذني على الأصوات، وبأنفي على الغاز المحترق وأتوكأ بعيني على جدران البيوت والسيارات والتعثر في الناس.. ولكن فجأة أعلنت حالة الطوارئ، وهدأ وسكن واختفى كل شيء.. فأحسست أنني مطرود من الحياة المجنونة إلى إحدى المصحات العقلية!
فقد تذكرت عبارات بليغة قالها المرحوم كامل الشناوي، يقول انه ذهب إلى أحد المقاهي الصاخبة ولم يكد يدخل من الباب حتى تطلع إليه الجميع. وهدأت الأصوات، وخفت أن تقع العمارة وكأنها أقيمت على أعمدة من الضوضاء!


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق